هل يمكن تعديل العقد بعد توقيعه؟
الأصل في العقود بجميع أنواعها إنها عامة ، وأن العقد شريعة المتعاقدين ، وطرفا العقد ملزمون باحترام ما تم الاتفاق عليه، وهذا المبدأ هو ما يحاوط الرابطة العقدية ويسبغها القوة القانونية والشرعية الواقعية ، ولكن الواقع العملي وما تفرضه ضرورة حسن سير العمل والظروف الاقتصادية المختلفة قد تجبر الأفراد على تعديل العقد بعد توقيعه ، وهنا يظهر تساؤل في غاية الأهمية : هل يمكن تعديل العقود بعد توقيعها؟ هل يمكن لطرف واحد تعديل العقد بإرادته المنفردة؟ خلال هذا المقال سيجاوب مكتب السلامه للمحاماة والاستشارات القانونية عن هذا السؤال وبيان التكييف القانوني الصحيح له.
عناصر المقال
اولاً:- العقد شريعة المتعاقدين.
مبدأ العقد شريعة المتعاقدين هو مبدأ ثابت ومستقر في القوانين المدنية وجوهره القوة الملزمة للعقد ، ويشير إلى أن العقد يلزم عاقديه بكل ما يجيء فيه ، فهو يضمن قوة تحتم على طرفيه الرضوخ والإذعان له في كل ما يحتويه ، أي يتضمن قوة ملزمة للطرفين باحترامه ، فلا يستطيع أحدهما نقضه أو تعديله ما لم يسمح له الاتفاق أو القانون بذلك.
لكن هذا المبدأ مثله مثل جميع المبادئ الأخرى التي لديها استثناءات ، وهنا من ذلك الاستثناء تظهر الإجابة على سؤال المقال ، وهو أنه يجوز تعديل العقد بعد توقيع الأطراف عليه ، في ظل الاستثناءات الناشئة عن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ، ولكن تلك الاستثناءات قد تكون اتفاقية باتفاق أطراف العقد أو واردة بحكم القانون، وهذا ما نصت عليه المادة (94/1) من نظام المعاملات المدنية وهو ( إذا تم العقد صحيحاً لم يجز نقضه أو تعديله إلا بالاتفاق أو بمقتضى نص نظامي.)
ثانياً:- تعديل العقد باتفاق الأطراف.
بموجب قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ، وإن الأصل هو الالتزام بكل ما ورد فيه ، ومع ذلك ، بمنح النظام الطرفين المرونة الكاملة لتعديل بنود العقد بعد توقيعه ، ولكن بشرط توافق إرادتهم ، وهذا لضمان الحماية القانونية الكاملة لهم ، ويتم تعديل العقد من خلال صياغة ملحق بالعقد الأصلي ويصبح جزء لا يتجزأ منه ، حيث يتفق فيه الأطراف على الأمور الجديدة التي طرأت على العقد ، ويكون هذا الملحق متصل بالعقد ولا ينفصل عنه.
ننصح المستثمرين وأصحاب الشركات عند صياغة العقود وخاصة عقود المقاولات ، أنه يجب أن يتضمن العقد منذ البداية ” بنود للمراجعة الدولية” ، وتلك البنود تمنح كلا الطرفين الحق القانوني في إعادة التفاوض حول قيم العقد وجداول التنفيذ عند حدوث متغيرات اقتصادية معينة كتذبذب أسعار المواد الخام أو تغير السياسات الضريبية ، وإن إدراج آليات واضحة للتعديل داخل صلب العقد يجعل من العقد أداة اقتصادية مرنة تتكيف مع تقلبات السوق بدون الحاجة لخوض نزاعات قضائية، ولهذا يجب الاستعانة بمكتب السلامه للمحاماة والاستشارات القانونية لأننا خبرة 12 عاماً في صياغة العقود بجميع أنواعها.
ثالثاً:- الحالات النظامية لتعديل العقد بدون موافقة الطرف الآخر.
يوجد مجموعة من الحالات النظامية التي نص عليها نظام المعاملات المدنية والتي تجيز تعديل العقد بدون موافقة الطرف الآخر وتلك الحالات كالتالي:-
1- تعديل العقد نتيجة للظروف الطارئة.
نصت المادة (97) من النظام على :
١- إذا طرأت ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وترتب على حدوثها أن يصير تنفيذ الالتزام التعاقدي مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة؛ فله -دون تأخر غير مسوغ- دعوة الطرف الآخر للتفاوض.
٢- طلب التفاوض لا يخول المدين الامتناع عن تنفيذ الالتزام.
٣- إذا لم يُتوصل إلى اتِّفاق خلال مدَّة معقولة؛ فللمحكمة تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول.
٤- يقع باطلاً كل اتفاق على خلاف أحكام هذه المادة.
تلك المادة وضعت معايير لاستقرار المعاملات وتفعيل شرط تعديل العقد من خلال :-
- ظرف استثنائي عام: يجب أن يكون الظرف خارجاً عن إرادة الطرفين ويؤثر على قطاع عريض (مثل الأوبئة، الحروب، الكوارث الطبيعية، أو قرارات اقتصادية عالمية مفاجئة).
- عدم إمكانية التوقع: أن يكون هذا الظرف مما لا يمكن للمستثمر الحريص توقعه وقت توقيع العقد.
- الإرهاق لا الاستحالة: هنا نقطة جوهرية؛ الالتزام لا يزال “ممكناً” وليس مستحيلاً (فالمستحيل يذهب بنا للقوة القاهرة)، ولكنه أصبح “مرهقاً” جداً بحيث يهدد الطرف المدين بخسارة فادحة تخرج عن حدود المخاطرة التجارية المعتادة.
ويجب بمجرد وقوع الظرف الاستثنائي ، أن يوجه الطرف المتضرر دعوة للطرف الآخر للتفاوض بدون تأخير غير مسبب ، ولكن طلب التفاوض لا يعطي الحق للطرف المتضرر أن يتوقف عن العمل أو يمتنع عن الدفع ، بل يستمر في التنفيذ قدر الإمكان حتى يتم التوصل لاتفاق لتعديل العقد ، أو تدخل القاضي لتعديل العقد، وإلا يعد الطرف المتضرر مخلاً بالالتزام.
خطأ شائع وخطير تفعله الشركات وهو أن تنتظر تراكم الخسائر عدة أشهر ثم تلجأ للقضاء ، في هذه الحالة قد تفقد حق الاستناد إلى المادة لثبوت التأخر غير المسوّغ.
إذا لم يتفق الأطراف ودياً على تعديل العقد نتيجة للظروف الاستثنائية ، ففي تلك الحالة تنتقل السلطة للمحكمة ويظهر دور القاضي من خلال القيام بالآتي:-
- الموازنة بين الطرفين: القاضي لا ينظر لمصلحة المتضرر فقط، بل يوازنها بمصلحة الطرف الآخر لضمان عدم إيقاع الضرر به أيضاً.
- رد الالتزام للحد المعقول: المحكمة هنا لا تُلغي العقد، بل “تعدله” وقد تقوم بإنقاص الالتزام (تقليل المبلغ المطالب به) أو زيادة المقابل، بما يعيد العقد إلى منطقة الأمان الاقتصادية ويمنع الخسارة الفادحة.
الفقرة (4) هي الأهم للمستثمر: “يقع باطلاً كل اتفاق على خلاف أحكام هذه المادة”.
ماذا يعني ذلك؟ لو وقعت عقداً مع شركة أجنبية وتضمن العقد بنداً يقول: “يتنازل الطرفان عن حقهم في التمسك بنظرية الظروف الطارئة أو المادة 97″، فهذا البند باطل نظاماً ولا قيمة له أمام القضاء السعودي. المادة 97 حق أصيل للمستثمر لا يجوز التنازل عنه مسبقاً.
مقارنة هامة بين حالة العقد إثناء الظروف الطارئة والقوة القاهرة:-
|
وجه المقارنة |
المادة 97 (الظروف الطارئة) |
المادة 110 (القوة القاهرة / الاستحالة) |
|
الفرق الجوهري |
التنفيذ ممكن ولكنه مرهقاً ويهدد بخسارة فادحة. |
التنفيذ مستحيل لا يمكن تنفيذ الالتزام مطلقاً لأسباب خارجة عن إرادة المدين. |
|
الشروط |
|
|
|
الإجراء المطلوب فوراً |
يجب دعوة الطرف الآخر فوراً للتفاوض مع الاستمرار في التنفيذ. |
التوقف عن التنفيذ لأن الالتزام انقضى “من تلقاء نفسه”. |
|
مصير العقد |
الهدف هو استمرار العقد بعد تعديل التزاماته (إعادة التوازن). |
ينتهي العقد (أو الجزء المستحيل منه) ويتحلل الطرفان من التزاماتهما. |
|
دور القضاء |
إذا فشل التفاوض: يُعدّل الالتزام المُرهق ويُعيده للحد المعقول .. لا يفسخ |
يُثبّت الانفساخ القائم ، أو يرفض الفسخ الكلي إذا كان المستحيل قليل الأهمية |
|
أثرها على التعويض |
لا يعفي من الالتزام، بل يعدل قيمته فقط. |
يعفي تماماً من تنفيذ الالتزام ومن دفع أي تعويض عن التأخير. |
|
إمكانية التنازل عنها |
باطلة: لا يجوز الاتفاق على إلغاء هذه المادة في العقد. |
ممكنة: يجوز الاتفاق على تحمّل “تبعة القوة القاهرة” في بعض العقود. |
|
مثال |
ارتفاع تكاليف الشحن 300% بسبب إغلاق مضيق هرمز التسليم ممكن لكن بخسارة فادحة |
حظر استيراد مكوّن أساسي بقرار دولي ،التسليم مستحيل موضوعياً |
2- تعديل عقود الإذعان.
نصت المادة (96) من نظام المعاملات المدنية على ( إذا تمَّ العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطاً تعسفيةً؛ فللمحكمة أن تعدلها أو تعفي الطرف المـُذْعِن منها وفقاً لما تقتضيه العدالة. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.)
تعرف عقود الإذعان إنها من العقود التي يوجد فيها طرف أقوى من الطرف الاخر كعقود شركات الاتصالات والبنوك ومنصات السوشيال ميديا ، ولأن هذه العقود لا غنى عنها للأطراف في حياتهم الخاصة حيث هو عقد الذي يضعه أحد المتعاقدين مسبقاً، ولا يسمح للطرف الآخر بمناقشته أو تعديل شروطه؛ فإما أن يقبله العميل كما هو أو يرفضه بالكامل ، ومعيار الإذعان هو غياب التفاوض الحقيقي، واحتياج الطرف الأضعف للخدمة أو السلعة بشكل يجعله مذعناً لشروط الطرف الأقوى ، ولهذا تدخل المنظم السعودي ونص على جواز تعديل المحكمة للعقد إذا تضمن شروط تعسفية ، وهذه المادة لا تمنع عقود الإذعان (لأنها ضرورية لاستمرار العجلة الاقتصادية)، ولكنها تمنع التعسف فيها، و الشروط التعسفية هي التي تؤدي إلى اختلال جوهري في حقوق وواجبات الطرفين لمصلحة الطرف القوي.
ومن الأمثلة على الشروط التعسفية هو إعفاء الطرف الأقوى من المسؤولية عن أخطائه المهنية أو حرمان الطرف المذعن من حق التقاضي أو اللجوء للقضاء أو فرض غرامات تأخير باهظة وغير منطقية على طرف واحد فقط أو منح الطرف الأقوى وحده حق إنهاء العقد دون سبب.
تلك المادة تمنح المحكمة سلطة استثنائية للتدخل في العقد (وهذا خروج عن القاعدة العامة التي تمنع المساس بالعقود):
- خيار التعديل: يجوز للقاضي تعديل الشرط التعسفي لجعله منطقياً وعادلاً.
- خيار الإعفاء: يجوز للقاضي إلغاء الشرط بالكامل واعتباره كأن لم يكن، مع بقاء بقية العقد صحيحاً.
- المعيار: القاضي هنا يحكم وفقاً لما “تقتضيه العدالة”.
انتهت المادة بعبارة حاسمة: “ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك”. هذا يعني أن الطرف القوي لا يمكنه حماية نفسه بوضع بند يقول: “يقر الطرفان بأن هذا العقد ليس عقد إذعان” أو “يتنازل الطرف الثاني عن حقه في الاعتراض على أي شرط”. مثل هذه البنود تعتبر باطلة بقوة النظام، لأن المادة 96 تتعلق بالنظام العام لحماية العدالة التعاقدية في المملكة.
3- تعديل عقود المقاولات عند تغير التصميم والأسعار.
نصت المادة (471/3) من النظام على ( إذا انهار التوازن العقدي بين التزامات كل من صاحب العمل والمقاول بسبب ظروف استثنائيةٍ عامَّةٍ لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وتداعى بذلك الأساس الذي قام عليه التقدير المالي لعقد المقاولة، فللمحكمة تبعاً للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تقضي بإعادة التوازن العقدي، بما في ذلك تمديد مدة التنفيذ أو زيادة الأجر أو إنقاصه، أو أن تقضي بفسخ العقد.)
تمنح هذه الفقرة للمحكمة سلطة التدخل لتعديل العقد إذا انهار التوازن المالي، ويشترط الاتي:-
- ظروف استثنائية عامة غير متوقعة (مثل أزمة سلاسل إمداد عالمية أو تغيرات تنظيمية مفاجئة).
- أن يؤدي ذلك لتهدم الأساس المالي للمشروع، بحيث يصبح تنفيذ المقاول للعمل عبئاً لا يمكن تحمله.
يتم تعديل العقد طبقاً للاتي:-
التعديل بالاتفاق (المسار الودي): يتم عبر ملحق عقد يوقع عليه الطرفان عند وجود تغيير في التصميم و هذا التعديل يتطلب:
-
أمر تغيير مكتوب.
- تقدير مالي للزيادة.
- موافقة صريحة من صاحب العمل.
- التعديل القضائي (مسار إعادة التوازن )
إذا رفض صاحب العمل الزيادة رغم وجود ظرف قهري، يرفع المقاول دعوى إعادة التوازن العقدي ، وللمحكمة سلطة واسعة في التعديل تشمل:
- زيادة الأجر: تعويض المقاول عن الارتفاع الفاحش في التكاليف.
- إنقاص الأجر: في حالات نادرة إذا انخفضت التكاليف بشكل فاحش لصالح المقاول.
- تمديد مدة التنفيذ: لإعفاء المقاول من غرامات التأخير الناتجة عن الظرف الطارئ.
- فسخ العقد: إذا وجد القاضي أن التعديل غير كافٍ أو أن استمرار العقد يلحق ضرراً جسيماً لا يمكن جبره.
4- تعديل العقد بقوة النظام.
هذا مبدأ قانوني مستقر في القضاء السعودي ، حيث إذا صدر قانون جديد أو قرار سيادي (مثل تعديل نسبة ضريبة القيمة المضافة، أو تغيير الحد الأدنى للأجور، أو رسوم معينة)، فإن بنود العقد المتعارضة مع هذا النظام الجديد تُعدل تلقائياً لتتوافق مع القانون الجديد، ولا يمكن للطرف الآخر الاحتجاج ببنود العقد القديمة لأن النظام (القانون) يعلو على الاتفاق الخاص.
ختاماً: إن نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد لم يأتِ ليعزز القوة الملزمة للعقود فحسب، بل جاء ليرسخ قيم العدالة والمرونة في بيئة الأعمال؛ فالعقد ليس مجرد ورقة تُوقع وتُحفظ، إن القدرة على تعديل العقد -سواء بالاتفاق الودي أو عبر التدخل القضائي- هي صمام الأمان الذي يضمن استدامة استثماراتكم في ظل النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030. تذكروا دائماً أن الحماية القانونية الاستباقية، وصياغة الملاحق العقدية بدقة، هي التي تقي شركاتكم من النزاعات الطويلة وتحافظ على استقرار مراكزكم المالية.
في مكتب السلامه للمحاماة والاستشارات القانونية نؤمن بأن الدور الحقيقي للمحامي يبدأ من صياغة عقود مرنة تستشرف المستقبل، ولا ينتهي عند الدفاع عن مصالحكم أمام القضاء. فريقنا من الخبراء القانونيين مستعد لتقديم الدعم لكم في:
- مراجعة وإعادة صياغة العقود القائمة بما يتوافق مع نظام المعاملات المدنية الجديد.
- إدارة مفاوضات تعديل العقود وصياغة الملاحق القانونية لضمان حقوقكم.
- تمثيلكم القضائي في قضايا “إعادة التوازن العقدي” والظروف الطارئة.
لا تترك استثماراتك لتقلبات الظروف.. اتصل بنا الان ودعنا نبنِ لك سياجاً قانونياً آمناً.
الأسئلة الشائعة:-
هل يجوز تعديل العقد بعد توقيعه؟
نعم ، يمكن تعديل العقد بعد توقيعه.
هل يمكن تعديل العقد المقاولات بعد توقيعه؟
نعم يمكن .
ما هي حالات تعديل العقد بعد توقيعه؟
- الاتفاق بين الأطراف على تعديل العقد.
- ظهور الظروف الطارئة او الاستثنائية.
- تدخل القاضي لتعديل العقد.
كيف أغير العقد بعد توقيعه؟
من خلال كتابة ملحق جديد توجد فيه البنود الجديدة للعقد.


