لماذا تخطئ الشركات في اختيار المحكم رغم قوة السيرة الذاتية؟
عندما يُذكر التحكيم في العقود التجارية أو العقارية، غالبًا ما تُطرح مجموعة من المزايا المعروفة: السرية، والمرونة، وإمكانية اختيار المحكم، وسهولة تنفيذ الأحكام في كثير من الحالات ولهذا أصبح إدراج شرط التحكيم ممارسة شائعة في عدد كبير من العقود، خصوصًا العقود ذات القيمة المرتفعة أو الأطراف المتعددة.
لكن هناك سؤالًا يطرح أقل مما ينبغي:
هل يكفي أن يكون النزاع محالًا إلى التحكيم حتى تتحقق هذه المزايا؟
في الواقع، لا.
فالتحكيم لا يكون أفضل من القضاء لمجرد أنه تحكيم، كما أن وجود شرط التحكيم في العقد لا يعني بالضرورة أن الأطراف اتخذوا القرار الأفضل فالنتيجة النهائية تتأثر بعوامل كثيرة، من أهمها تصميم شرط التحكيم، واختيار القواعد الإجرائية، وتحديد المقر، وتشكيل الهيئة، واختيار المحكمين.
ومن بين هذه العوامل جميعًا، يبقى اختيار المحكم من أكثر القرارات تأثيرًا وأقلها قابلية للتصحيح لاحقًا.
ولهذا السبب تستحق إحدى أشهر الدراسات الدولية في مجال التحكيم وقفة جادة.
ففي دراسة أجرتها كلية التحكيم الدولي بجامعة كوين ماري في لندن بالتعاون مع White & Case، أفاد 50% من المشاركين أنهم أصيبوا بخيبة أمل من أداء محكم سبق أن وقع عليهم الاختيار.
هذه النتيجة لا تعني أن نصف المحكمين غير مؤهلين، ولا تعني أن القضاء أفضل من التحكيم لكنها تطرح سؤالًا مهمًا:
إذا كان اختيار المحكم يعد من أهم مزايا التحكيم، فلماذا خاب ظن نصف المشاركين تقريبًا في محكم سبق أن اختاروه؟
ليست المشكلة في الشهادات
عند مراجعة السير الذاتية للمحكمين، نجد غالبًا عناصر متشابهة: درجات علمية، زمالات مهنية، عضويات في مراكز تحكيم، برامج تدريبية، ومشاركات أكاديمية أو مهنية.
كل ذلك مهم بلا شك.
لكن صاحب النزاع لا يحتاج في النهاية إلى معرفة ما درسه المحكم بقدر حاجته إلى معرفة كيف سيدير قضيته.
فالسيرة الذاتية تخبرنا بما يعرفه المرشح، لكنها لا تكشف بالضرورة عن جودة أحكامه، أو قدرته على إدارة الإجراءات، أو مدى التزامه بالمواعيد، أو أسلوبه في التعامل مع الخبراء، أو كفاءته في إدارة نزاع معقد تتداخل فيه الجوانب القانونية والفنية والتجارية.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تكون أسباب خيبة الأمل التي سجلتها الدراسة مرتبطة غالبًا بأمور عملية: جودة القرار، وضعف إدارة الإجراءات، والتأخير، وضعف التسبيب، أو نقص الخبرة بطبيعة النزاع محل التحكيم.
بعبارة أخرى، لم تكن المشكلة في المؤهلات، بل في الأداء.
ماذا تقول الأرقام؟
تكمن أهمية دراسة Queen Mary في أنها لا تقدم آراءً فردية، بل تعكس خبرة مستخدمين للتحكيم من مختلف القطاعات والولايات القضائية.
فإلى جانب أن 50% من المشاركين خاب ظنهم في أداء محكم سبق اختياره، أظهرت الدراسة أن 75% من المشاركين يرغبون في وجود آلية لتقييم المحكمين بعد انتهاء القضايا.
وهذا رقم لافت.
فلو كانت السير الذاتية وحدها كافية لاتخاذ القرار، لما كان هناك هذا الطلب المرتفع على تقييم الأداء الفعلي للمحكمين.
كما أظهرت الدراسة أن 68% من المشاركين لا يرون أن المعلومات المتاحة عن المحكمين كافية لاتخاذ قرار الاختيار بصورة مستقلة.
وهذا يفسر اعتماد كثير من الشركات على خبرة محامي التحكيم عند ترشيح المحكمين أو المفاضلة بينهم، ليس لأن المحامي يعرف أسماء أكثر، بل لأنه يكون في العادة أكثر اطلاعًا على أمور لا تظهر في السيرة الذاتية.
وعند الحديث عن تشكيل الهيئة، أبدى 73% من المشاركين تفضيلًا معينًا لعدد المحكمين، ومن بين هؤلاء فضّل 87% هيئة مكونة من ثلاثة محكمين، باعتبار أن تعدد الأعضاء يحد من مخاطر القرار الفردي ويوفر قدرًا أكبر من التوازن في الخبرات ووجهات النظر.
هذه الأرقام لا تقول إن التحكيم فكرة سيئة.
بل تقول إن نجاحه يعتمد على قرارات دقيقة تسبق الجلسة الأولى بوقت طويل.
هل التخصص هو الحل؟
من أكثر المبررات التي تدفع الشركات إلى التحكيم رغبتها في اختيار شخص متخصص في موضوع النزاع.
وفي الأصل، لا يوجد ما يعيب هذا التفكير.
ففي النزاعات العقارية قد تكون الخبرة العقارية ذات قيمة حقيقية وفي نزاعات المقاولات قد تختصر المعرفة الفنية أشهرًا من الشرح والخبرة وفي نزاعات الشركات والاستثمار قد يكون فهم طبيعة الصفقات واتفاقيات المساهمين عاملًا مؤثرًا في فهم القضية.
لكن التخصص وحده لا يكفي.
فالتحكيم لا يضمن لك محكمًا متخصصًا، بل يمنحك فرصة اختيار متخصص.
والفرق بين الأمرين كبير.
كما أن التخصص نفسه قد يثير أسئلة إضافية.
فبعض الدراسات والكتابات المهنية الحديثة تشير إلى أن الخلفية المهنية والقانونية للمحكم قد تؤثر في طريقة إدارته للنزاع فالمحكم القادم من خلفية قانونية معينة قد يكون أكثر تقبلًا لبعض الإجراءات وأقل تقبلًا لغيرها.
بل إن الأدبيات الحديثة في التحكيم ناقشت ما يعرف بـ”التحيز الموضوعي”، وهو احتمال أن تؤثر كتابات المحكم أو أبحاثه أو مواقفه المهنية السابقة في نظرته إلى بعض المسائل القانونية أو الفنية محل النزاع.
ولا يعني ذلك بالضرورة فقدان الحياد أو الاستقلال.
لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل خبرة المحكم ستساعده على فهم النزاع بصورة أفضل، أم أنها ستجعله يدخل إليه وهو يحمل تصورًا سابقًا عن النتيجة؟
ولهذا فإن الهدف ليس اختيار شخص لا يعرف شيئًا عن الموضوع، كما أن الهدف ليس اختيار شخص أصبح أسيرًا لقناعة مهنية راسخة.
الهدف هو اختيار شخص يملك الخبرة دون أن يفقد القدرة على النظر إلى النزاع بعقل مفتوح.
ماذا تقول التجربة السعودية؟
في السنوات الماضية، شهد القضاء السعودي تطورًا كبيرًا من حيث الرقمنة، وسهولة الوصول، وتخصص المحاكم، وسرعة الإجراءات، وهو ما جعل السؤال حول اللجوء إلى التحكيم أكثر تعقيدًا من السابق.
فلم يعد شرط التحكيم قرارًا تلقائيًا في كل عقد.
وأصبح من المشروع أن تسأل الشركة نفسها:
هل هذا النزاع يحتاج فعلًا إلى التحكيم؟
أم أن القضاء المتخصص قد يكون الخيار الأنسب؟
وفي هذا السياق، تكتسب نتائج دراسة المركز السعودي للتحكيم التجاري لأحكام القضاء السعودي أهمية خاصة.
فقد راجعت الدراسة أكثر من 1400 حكم قضائي صادر بين عامي 2017 و2022، وخلصت إلى أن معدل إنفاذ أحكام التحكيم تجاوز 92% في كل دفعة من الأحكام التي تمت مراجعتها.
كما أظهرت عينة عام 2022 أن 94.32% من دعاوى البطلان قد رُفضت.
هذه الأرقام لا تصلح لتسويق التحكيم بوصفه الحل الأفضل دائمًا.
لكنها تكشف حقيقة مهمة:
إذا صدر الحكم التحكيمي، فإن القضاء السعودي لا يتعامل معه باعتباره درجة استئناف جديدة تعيد نظر الوقائع والأدلة من البداية.
ودعاوى البطلان لا تهدف إلى إعادة مناقشة موضوع النزاع، وإنما تنحصر في الأسباب النظامية المحددة.
وهذا يعني أن عدم الرضا عن أداء المحكم، أو اكتشاف ضعف إدارته للإجراءات بعد صدور الحكم، قد لا يكون كافيًا لإعادة النزاع إلى نقطة الصفر.
ومن هنا تزداد أهمية القرارات التي تسبق بدء التحكيم.
هل يوجد أصلًا محكم مناسب؟
ومن النتائج اللافتة في الدراسات المتعلقة بسوق التحكيم السعودي أن بعض الباحثين أوصوا بتوسيع قاعدة المحكمين ذوي المهارات والخبرة المناسبة.
كما نقلت هذه الدراسات عن ممارسين أن العثور على محكم مناسب في بعض النزاعات، خصوصًا النزاعات المتوسطة أو ذات الطبيعة الفنية المتخصصة، قد لا يكون دائمًا مهمة سهلة.
وهذا يعيد النقاش إلى نقطة مهمة كثيرًا ما تُغفل عند إدراج شرط التحكيم.
فالمسألة ليست فقط: هل نريد التحكيم؟
بل أيضًا:
هل يوجد لهذا النزاع محكم مناسب فعلًا؟
وهل يوجد شخص يجمع بين الخبرة الفنية المطلوبة، والاستقلال، والتفرغ، والقدرة على إدارة الإجراءات، وفهم البيئة النظامية والتجارية التي نشأ فيها النزاع؟
أكثر من مجرد اختيار اسم
من الأخطاء الشائعة النظر إلى التحكيم باعتباره مسألة تبدأ عند تقديم طلب التحكيم أو عقد الجلسة الأولى.
في الواقع، تبدأ القصة قبل ذلك بكثير.
تبدأ عند صياغة شرط التحكيم.
وتستمر عند تقييم ما إذا كان التحكيم مناسبًا أصلًا لهذا النزاع.
ثم عند اختيار القواعد والمقر واللغة.
ثم عند فحص المرشحين، وقراءة الإفصاحات، وموازنة الخبرة بالتفرغ، والتخصص بالاستقلال.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في العثور على اسم مشهور أو سيرة ذاتية مبهرة، بل في إدارة هذه القرارات بطريقة تقلل المخاطر التي يصعب إصلاحها لاحقًا.
في القضاء لا تختار القاضي، لكن لديك نظامًا مؤسسيًا مستقرًا ودرجات للمراجعة.
أما في التحكيم، فأنت تختار من سيفصل في النزاع، لكن مساحة مراجعة النتيجة أضيق بكثير.
ولهذا تصبح جودة الاختيار في بداية الطريق أكثر أهمية من كثير من القرارات اللاحقة.
فإذا أخطأت في اختيار محامٍ تستطيع تغييره.
وإذا أخطأت في اختيار خبير تستطيع استبداله.
أما إذا أخطأت في اختيار المحكم، فقد لا تكتشف أثر هذا الخطأ إلا عند صدور الحكم.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
هل نضع شرط تحكيم؟
بل:
هل هذا النزاع يحتاج فعلًا إلى التحكيم؟
وإذا كان الجواب نعم، فمن هو المحكم الأنسب له؟
وفي مكتب السلامة للمحاماة لا نتعامل مع التحكيم بوصفه خيارًا أفضل من القضاء في جميع الأحوال، ولا نتعامل مع اختيار المحكم بوصفه ضمانة للنتيجة ما نقدمه هو مساعدة الشركات على إدارة ملف التحكيم من بدايته إلى نهايته: من مراجعة وصياغة شروط التحكيم، وتقييم جدوى اللجوء إليه عند نشوء النزاع، وتمثيل العملاء أمام هيئات التحكيم، والتعامل مع الأحكام تنفيذًا أو بطلانًا كما نقبل، في نطاق محدود وحالات منتقاة، العمل كمحكمين متى توافرت متطلبات الاستقلال والحياد وكان النزاع داخل نطاق خبرتنا العملية فالقيمة الحقيقية ليست في الوعد بمحكم مثالي، بل في تقليل الأخطاء التي يصعب إصلاحها بعد صدور الحكم.


