سقف المسؤولية وبنود التعويض: ما الذي يجب مراجعته قبل قبول مخاطر تفوق عائد الصفقة؟
29 أكتوبر 2026

سقف المسؤولية وبنود التعويض: ما الذي يجب مراجعته قبل قبول مخاطر تفوق عائد الصفقة؟

شركة مقاولات وقعت عقداً بقيمة 50 مليون ريال لتنفيذ مشروع بنية تحتية. المدير التنفيذي راجع بنود الأسعار والجداول الزمنية والمواصفات الفنية، لكنه مرّ على بند المسؤولية سريعاً. كان البند ينص على أن مسؤولية الشركة غير محدودة بأي سقف. بعد ثمانية أشهر، اكتشف صاحب المشروع خللاً في نظام التصريف أدى إلى أضرار جانبية في المباني المجاورة. رفع دعوى يطالب فيها بتعويضات بلغت 73,400,000 ريال، أي ما يعادل 147% من قيمة العقد نفسه. الشركة لم تكن قد خصصت أي احتياطي لهذه المخاطر، فوجدت نفسها أمام مطالبة تتجاوز إيراداتها السنوية من المشروع بأكمله.

الخطأ لم يكن في التنفيذ الفني. الخطأ كان في غياب سقف للمسؤولية التعاقدية.

نظام المعاملات المدنية السعودي يتيح للأطراف الاتفاق على تحديد مقدار التعويض مسبقاً. المادة 178 تنص على أنه يجوز للمتعاقدين تحديد مقدار التعويض بالنص عليه في العقد أو في اتفاق لاحق، ما لم يكن محل الالتزام مبلغاً نقدياً. والمادة 173 تفتح الباب صراحة أمام الاتفاق على إعفاء المدين من التعويض عن الضرر الناشئ عن عدم التنفيذ أو التأخر فيه، باستثناء واحد: ما كان ناتجاً عن غش أو خطأ جسيم من المدين. هذا الاستثناء ليس تفصيلاً هامشياً. الغش هو إخلال متعمد بالتزام تعاقدي، والخطأ الجسيم هو إهمال يتجاوز المعيار العادي للعناية إلى درجة تكاد تقترب من العمد. المحكمة لا تنظر إلى هذين الحالتين كمجرد ظروف مشددة، بل تتعامل معهما كقيود آمرة على حرية التعاقد.

لكن الصورة ليست مكتملة عند هذا الحد.

المادة 179 من النظام ذاته تمنح المحكمة سلطة تعديل التعويض الاتفاقي. بناءً على طلب المدين، يمكن للمحكمة أن تنقص التعويض إذا أثبت المدين أن المقدار المتفق عليه مبالغ فيه أو أن الالتزام الأصلي نُفذ جزئياً. وبناءً على طلب الدائن، يمكن للمحكمة أن تزيد التعويض إلى ما يساوي الضرر الفعلي إذا ثبت أن الضرر تجاوز المقدار المتفق عليه بسبب غش أو خطأ جسيم من المدين. والأهم من ذلك: لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً أصلاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر.

هذه الأحكام مجتمعة تعني أن سقف المسؤولية في العقد ليس مجرد رقم يُكتب. هو رقم يخضع لاختبار الضرر الفعلي، واختبار التنفيذ الجزئي، واختبار الغش والخطأ الجسيم. السقف الذي لا يستند إلى تقدير واقعي للخطر يمكن أن ينهار أمام المحكمة.

في المحاكم السعودية، بدأت المحاكم تراجع مدى معقولية وإنصاف بنود تحديد المسؤولية، خصوصاً إذا بدت مجحفة أو منحازة لطرف واحد بشكل مبالغ فيه. هذا التوجه يضع عبئاً حقيقياً على من يصوغ البند، لأنه لم يعد كافياً أن يكتب سقفاً، بل يجب أن يكون هذا السقف قابلاً للدفاع أمام القضاء.

في العقود التجارية بين الشركات، لا يوجد سقف نظامي يفرض نفسه. السقف يأتي من الاتفاق، لا من النظام. وهذا يعني أن الشركة التي تتفاوض على سقف المسؤولية يجب أن تسأل سؤالين: ما هو حجم الضرر المحتمل؟ وما هو حجم الخسارة التي تستطيع تحملها دون أن تتأثر استمرارية أعمالها؟ السقف الذي لا يستند إلى تقدير واقعي للخطر يتحول إلى مجرد رقم على الورق، قد ينهار أمام القضاء إذا ثبت أنه لا يعكس توازناً حقيقياً بين المخاطر والعائد.

بعض الشركات تستعير نماذج جاهزة من عقود أخرى وتطبقها على عقودها الخاصة دون تعديل. هذا النقل الحرفي قد يكون مفيداً كمرجع، لكنه ليس بديلاً عن تقدير الحالة الخاصة. العقد التجاري بين شركتين ليس نسخة من عقد آخر. طبيعة المخاطر مختلفة، وحجم الصفقة مختلف، وقدرة الشركة على تحمل الخسارة مختلفة. السقف الذي يناسب عقداً بقيمة 10 ملايين ريال قد لا يناسب عقداً بقيمة مليون ريال. والسقف الذي يناسب عقد توريد قد لا يناسب عقد مقاولة.

من الأخطاء الشائعة في صياغة سقف المسؤولية أن يُكتب البند بصيغة مطلقة مثل “لا تتجاوز المسؤولية الإجمالية للطرف قيمة العقد”. هذه الصياغة تبدو واضحة، لكنها لا تحدد ما إذا كان السقف يشمل التعويض عن الأضرار التبعية، أو خسارة الأرباح، أو الأضرار المعنوية. المادة 137 من نظام المعاملات المدنية تنص على أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، إذا كان ذلك نتيجة طبيعية للفعل المسبب للضرر. لكن المادة 173 تتيح الاتفاق على الإعفاء من التعويض عن الضرر الناشئ عن عدم التنفيذ التعاقدي، ما لم يكن غشاً أو خطأ جسيماً. الاجتماع بين هاتين المادتين يعني أن بند تحديد المسؤولية يجب أن يكون صريحاً في استبعاد أنواع الأضرار التي لا يرغب الطرفان في دخولها تحت السقف. بند يقول “مسؤولية المورد محدودة بقيمة أمر الشراء” قد لا يحمي المورد من مطالبة بخسارة أرباح المشروع بأكمله، لأن المحكمة قد ترى أن خسارة الأرباح ضرر منفصل عن قيمة أمر الشراء.

كذلك، غياب الاستثناءات الصريحة في بند سقف المسؤولية يفتح ثغرة خطيرة. إذا لم يستثن البند صراحةً حالات الغش والخطأ الجسيم من السقف، فإن المحكمة السعودية ستعامل هذه الحالات وفق المادة 173، وهذا يعني أن السقف قد لا يحمي الطرف المسؤول في الحالات الأخطر. المفارقة أن بند تحديد المسؤولية غير المحكم يخلق شعوراً زائفاً بالأمان. المدير التنفيذي يرى رقم السقف في العقد ويفترض أن المخاطر محدودة، ثم يكتشف لاحقاً أن السقف لا يشمل المطالبة المرفوعة فعلاً.

في صفقات الاستحواذ والاندماج، أظهرت التجربة السعودية الحديثة أن السقوف المحددة في تعهدات البائع يمكن أن تخضع لاختبار قضائي صارم. المحكمة لا تكتفي بمراجعة وجود السقف، بل تفحص ما إذا كان يعكس تقسيماً عادلاً للمخاطر بين الطرفين. السقف المنخفض جداً، الذي لا يتناسب مع حجم المخاطر المكشوفة، قد يُفسر كإعفاء فعلي من المسؤولية، ويُختبر وفق قواعد المادة 173. والسقف المرتفع جداً، الذي يلامس قيمة الصفقة، قد يُختبر وفق المادة 179 إذا أثبت المدين أن التعويض مبالغ فيه أو أن التنفيذ كان جزئياً.

الخلاصة العملية لصاحب القرار: سقف المسؤولية ليس بنداً شكلياً يُترك للمراجعة السريعة. هو بند يحدد الخسارة القصوى التي يمكن أن تتحملها الشركة إذا ساءت الأمور. عند صياغته أو مراجعته، لا يكفي أن تسأل: ما هو الرقم؟ بل اسأل: هل هذا الرقم يستند إلى تقدير واقعي للضرر المحتمل؟ هل يستثني بوضوح الحالات التي لا يجوز الإعفاء فيها؟ هل يحدد أنواع الأضرار المشمولة والمستثناة؟ هل يعكس توازناً حقيقياً بين المخاطر والعائد؟

السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مدير تنفيذي قبل التوقيع ليس: هل العقد مربح؟ بل: إذا تحقق أسوأ سيناريو، هل سقف مسؤوليتنا في هذا العقد يحمينا من خسارة تتجاوز ما نكسبه منه؟

 

أسئلة شائعة

هل يجوز الاتفاق على سقف للمسؤولية التعاقدية في النظام السعودي؟

نعم.

المادة 178 من نظام المعاملات المدنية تجيز للمتعاقدين أن يحددا مقدماً مقدار التعويض بالنص عليه في العقد أو في اتفاق لاحق، ما لم يكن محل الالتزام مبلغاً نقدياً. فالسقف صحيح نظاماً، لكنه ليس مطلقاً، بل يخضع لقيود المادة 173 التي تستثني الغش والخطأ الجسيم، ولقيود المادة 179 التي تمنح المحكمة سلطة تعديل التعويض الاتفاقي.

هل يجوز الإعفاء من المسؤولية التعاقدية في حالات الغش والخطأ الجسيم حتى مع وجود سقف؟

لا.

المادة 173 تنص على أنه يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من التعويض عن الضرر الناشئ عن عدم تنفيذ التزامه التعاقدي أو تأخره فيه، إلا ما يكون عن غش أو خطأ جسيم منه. فالسقف لا يحمي المدين في الحالات الأخطر. الغش هو الإخلال المتعمد، والخطأ الجسيم هو الإهمال الفادح الذي يقارب العمد.

هل تخفض المحكمة التعويض الاتفاقي إذا لم يثبت الدائن وقوع أي ضرر؟

نعم، بل لا يكون التعويض مستحقاً أصلاً.

المادة 179 تنص على أن التعويض الاتفاقي لا يكون مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر. وإذا أثبت المدين أن المقدار المتفق عليه مبالغ فيه أو أن الالتزام نُفذ جزئياً، جاز للمحكمة أن تنقص التعويض. أما إذا ثبت أن الضرر تجاوز المقدار الاتفاقي بسبب غش أو خطأ جسيم، جاز للمحكمة أن تزيده إلى ما يساوي الضرر الفعلي.

هل يشمل سقف المسؤولية خسارة الأرباح والأضرار التبعية في العقود التجارية السعودية؟

لا، إلا إذا نص البند على ذلك صراحةً.

المادة 137 تنص على أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، إذا كان ذلك نتيجة طبيعية للفعل المسبب للضرر. بند السقف المطلق لا يحدد ما إذا كان يشمل خسارة الأرباح أم لا. الشركة التي تريد استبعاد خسارة الأرباح من السقف يجب أن تكتب هذا الاستبعاد بوضوح، وإلا فقد تدخل خسارة الأرباح ضمن نطاق التعويض المطالب به.

هل الإعفاء الكامل من المسؤولية يختلف عن تحديد سقف لها في النظام السعودي؟

نعم.

الإعفاء الكامل يُسقط الحق في المطالبة بأي تعويض مهما بلغ الضرر. أما السقف فيُبقي المسؤولية قائمة، لكنها محدودة بمبلغ معين. كلا الأسلوبين صحيح نظاماً، مع استثناء الغش والخطأ الجسيم. السقف أكثر شيوعاً في الممارسة التجارية لأنه يحقق توازناً بين حماية المدين وحق الدائن في التعويض.

هل يحمي سقف المسؤولية المدين إذا تجاوز الضرر الفعلي قيمة السقف؟

لا، إذا ثبت الغش أو الخطأ الجسيم.

المحكمة تفحص أولاً هل توافرت إحدى حالتي المادة 173. إذا ثبت ذلك، لا يحمي السقف المدين، ويجوز للمحكمة زيادة التعويض إلى ما يساوي الضرر الفعلي بناءً على طلب الدائن وفق المادة 179. أما إذا لم يثبت غش أو خطأ جسيم، فالسقف يبقى نافذاً، ولا يتجاوز التعويض المبلغ المحدد.

كيف يمكن لصاحب القرار تحديد سقف مسؤولية مناسب في عقد تجاري بين شركتين خاصتين؟

لا يوجد سقف موحد.

السقف المناسب هو الذي يعكس تقديراً واقعياً للخطر، ويستند إلى حجم الصفقة، وطبيعة المخاطر، وقدرة الشركة على تحمل الخسارة. المادة 178 من نظام المعاملات المدنية تجيز الاتفاق على تحديد التعويض مسبقاً، لكنها لا تفرض رقماً معيناً. الشركة التي تتفاوض على السقف يجب أن تحدد أولاً: ما هو أسوأ سيناريو متوقع؟ ثم تحدد السقف الذي يمكنها تحمل خسارته دون أن تتأثر استمرارية أعمالها. ولا يكفي نقل سقف من عقد آخر، لأن كل عقد له ظروفه الخاصة.

هل يمكن الاتفاق على سقف للمسؤولية في عقود الاستحواذ والاندماج السعودية؟

نعم.

القانون السعودي يسمح للأطراف بقدر كبير من الحرية في تحديد أو استبعاد المسؤولية تعاقدياً، بشرط ألا يخالف البند النظام العام. لكن السقف في هذه العقود يخضع لاختبار قضائي صارم، لأن المحكمة تفحص ما إذا كان يعكس تقسيماً عادلاً للمخاطر بين الطرفين. السقف المنخفض جداً قد يُفسر كإعفاء فعلي، ويُختبر وفق المادة 173.

هل بند سقف المسؤولية نافذ إذا لم يحدد أنواع الأضرار المشمولة والمستثناة بوضوح؟

نعم، لكنه عرضة لنزاع تفسيري.

كما أن  نظام المعاملات المدنية يوجب تفسير العقد وفق الإرادة المشتركة، لا وفق ألفاظه وحدها. البند الغامض قد يكون قابلاً للتنفيذ، لكنه لا يوفر الحماية التي يوفرها البند الواضح. الشركة التي تريد بنداً محصناً يجب أن تحدد: أنواع الأضرار المشمولة، والأنواع المستثناة، والحالات التي لا يعمل فيها السقف، والمدة الزمنية للمطالبة.

شارك على لينكدان

التعليقات

لا توجد تعليقات سقف المسؤولية وبنود التعويض: ما الذي يجب مراجعته قبل قبول مخاطر تفوق عائد الصفقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *