مواءمة عقد التأسيس بعد نظام الشركات الجديد: متى يُلزم القضاء الشريك بالموافقة؟
دخل نظام الشركات السعودي حيز التنفيذ في عام 2023، وألزم الشركات القائمة بتعديل أوضاعها بما يتوافق مع أحكامه خلال مدة محددة. وقد تناولت معظم المقالات القانونية عند صدور النظام مسألة المواءمة بوصفها إجراءً تنظيمياً يهدف إلى تحديث عقود التأسيس والأنظمة الأساسية للشركات. غير أن التطبيق العملي خلال السنوات اللاحقة أظهر أن المواءمة قد تثير إشكالات قانونية تتجاوز الجانب الإجرائي، خاصة عندما تتحول إلى محل نزاع بين الشركاء.
المواءمة في أصلها إجراء يهدف إلى تحديث الوثائق النظامية للشركة بما يتفق مع النظام الجديد. وغالباً ما يتم ذلك عبر تعديل صياغة بعض المواد أو إعادة ترتيبها وفق النماذج المعتمدة. وفي كثير من الحالات لا يؤدي هذا التعديل إلى تغيير في مضمون الأحكام، بل يقتصر على إعادة تنظيم النصوص أو تحويل بعض الصلاحيات إلى صيغة أكثر وضوحاً، كإدراجها في جداول تفصيلية. ولهذا السبب فإن المقارنة بين النسخ القديمة والجديدة من عقود التأسيس ينبغي أن تركز على مضمون الأحكام لا على اختلاف الصياغة أو ترتيب المواد.
غير أن التطبيق العملي كشف عن إشكال مختلف. ففي بعض الشركات لم تكن المشكلة في صياغة العقد الموائم، بل في الموافقة على إجراءات المواءمة نفسها. وقد ظهر ذلك في عدد من النزاعات التي وصلت إلى القضاء التجاري، حيث امتنع أحد الشركاء عن الموافقة على توثيق عقد التأسيس الموائم أو عن استكمال الإجراءات الإلكترونية المرتبطة به، الأمر الذي أدى إلى تعطيل تحديث السجل التجاري أو تنفيذ بعض القرارات الصادرة من الشركاء.
ومن التطبيقات القضائية التي تعكس هذه الإشكالية حكم صادر عن محكمة الاستئناف في القضية رقم
4570852479 لعام 1445هـ بين شركة خدمات حجاج الداخل ومدعى عليهما من الشركاء في الشركة وقد كان النزاع يدور حول امتناع الشريكتين عن الموافقة على توثيق عقد التأسيس الموائم مع نظام الشركات الجديد، رغم موافقة بقية الشركاء على ذلك.
استندت المدعية في دعواها إلى أن المواءمة التزام نظامي مفروض على الشركات القائمة، وأن الامتناع عن الموافقة على توثيق العقد الموائم يؤدي إلى تعطيل تنفيذ هذا الالتزام وإلى إيقاف بعض الخدمات المرتبطة بالسجل التجاري. كما دفعت بأن العقد الموائم لا يتضمن تعديلاً جديداً على حقوق الشركاء، وإنما يهدف فقط إلى تحديث عقد التأسيس بما يتوافق مع النظام الجديد.
عند نظر الدعوى، ركزت المحكمة في تسبيبها على مسألتين رئيسيتين. الأولى أن نظام الشركات الجديد ألزم الشركات القائمة بتعديل أوضاعها بما يتوافق مع أحكامه خلال المدة المحددة، وهو ما يجعل المواءمة التزاماً نظامياً لا يترك لتقدير الشركاء. أما المسألة الثانية فكانت التحقق من مضمون العقد الموائم، حيث تبين للمحكمة أن العقد لا يتضمن تعديلاً جديداً على شروط عقد التأسيس المتفق عليها بين الشركاء، وإنما يهدف إلى توثيقها بصيغة تتوافق مع النظام الجديد.
وبناءً على ذلك خلصت المحكمة إلى أن امتناع المدعى عليهما عن الموافقة على إجراءات المواءمة لا يستند إلى مبرر نظامي، وأن ما سيقدم إلى وزارة التجارة هو العقد ذاته المعتمد من الشركاء مع مواءمته مع أحكام النظام الجديد. وانتهت المحكمة إلى إلغاء الحكم الابتدائي والحكم مجدداً بإلزام المدعى عليهما باستكمال الإجراءات النظامية لتوثيق عقد التأسيس الموائم وفقاً لنظام الشركات الجديد.
تكشف هذه القضية عن بعد عملي مهم لموضوع المواءمة فبينما ينظر إليها في الغالب على أنها إجراء تنظيمي لتحديث الوثائق النظامية للشركة، قد تتحول في بعض الحالات إلى وسيلة لتعطيل قرارات الشركاء أو إبطاء إدارة الشركة إذا امتنع أحد الشركاء عن استكمال إجراءاتها. كما توضح أن القضاء التجاري قد يتدخل لإلزام الشريك بإتمام المواءمة متى كان الامتناع عنها يفتقر إلى مبرر نظامي ويؤدي إلى تعطيل التزام قانوني مفروض على الشركة.
وفي ضوء هذه التطبيقات القضائية يمكن القول إن المواءمة لم تعد مجرد مسألة شكلية تتعلق بإعادة صياغة عقد التأسيس، بل أصبحت جزءاً من الإطار النظامي الذي يضمن توافق الشركات مع التشريعات الجديدة واستمرار قدرتها على ممارسة أعمالها بشكل منتظم. ومن ثم فإن مراجعة عقود التأسيس بعد المواءمة لا ينبغي أن تقتصر على مقارنة النصوص، بل يجب أن تمتد إلى فهم آثارها العملية على إدارة الشركة وعلاقة الشركاء فيما بينهم.
الأسئلة الشائعة:-
ماذا يحدث إذا رفض أحد الشركاء التوقيع أو التوثيق الإلكتروني لعقد التأسيس الموائم؟
يُعد إجراء مواءمة عقود التأسيس التزاماً نظامياً آمراً بموجب نظام الشركات السعودي الجديد وليس خياراً تقديرياً. وإذا امتنع أحد الشركاء دون مبرر نظامي مشروع وتسبب في الإضرار بالشركة (كإيقاف السجل أو الخدمات)، يحق للشركة أو لبقية الشركاء رفع دعوى أمام المحكمة التجارية لإلزامه قضائياً باستكمال الإجراءات فوراً، استناداً إلى المبادئ القضائية المستقرة (مثل الحكم في القضية رقم 4570852479 لعام 1445هـ).
هل يحق للأغلبية في الشركة ذات المسؤولية المحدودة مواءمة العقد دون موافقة الشريك الأقلية؟
من الناحية التقنية عبر منصة وزارة التجارة، يتطلب توثيق العقد الموائم موافقة وتوقيع جميع الشركاء إلكترونياً. ومع ذلك، إذا كانت المواءمة تقتصر على تحديث الصياغة دون المساس بالحقوق الموضوعية (كالنسب والحصص)، فإن امتناع الأقلية يعتبر تعنتاً غير مشروع، وتتدخل المحكمة التجارية لإجبارهم على التوقيع بناءً على طلب الأغلبية لحماية مصلحة الكيان التجاري.
هل تتغير نسب الأرباح أو الحصص أو المسؤوليات تلقائياً بعد مواءمة عقد التأسيس؟
لا، المواءمة الإجرائية لا تمس المضمون الموضوعي للحقوق والالتزامات المتفق عليها بين الشركاء في العقد الأساسي (مثل نسب توزيع الأرباح والخسائر وحجم الحصص). المواءمة تهدف فقط إلى إعادة هيكلة البنود وصياغتها وتوزيع الصلاحيات الإدارية بما يتوافق مع هيكل ونصوص نظام الشركات الجديد.
ما هي العقوبات أو الأضرار التي تتعرض لها الشركة في حال عدم إتمام المواءمة؟
يؤدي الامتناع أو التأخر في مواءمة أوضاع الشركة وتحديث عقد تأسيسها إلى:
- إيقاف تحديث أو تجديد السجل التجاري للشركة بوزارة التجارة.
- تجميد الحسابات البنكية للشركة والخدمات الحكومية المرتبطة بالمنصات الرسمية (قوى، أبشر أعمال، التأمينات).
- تعرض الشركة وأعضاء إدارتها لخطر الغرامات المالية المقررة نظاماً نتيجة عدم الامتثال لمدد تصحيح الأوضاع.
كيف يمكن للشركة حماية نفسها من تعنت الشركاء أثناء مواءمة العقد؟
نوصي في السلامه للمحاماة بإتباع المسار الوقائي التالي: توجيه إنذار رسمي مكتوب للشريك الممتنع يوضح الأضرار الجسيمة والغرامات التي ستتكبدها الشركة جراء تأخره، مع منحه مهلة محددة. في حال استمرار الامتثال، يتم تقييد دعوى بصفة الاستعجال أمام المحكمة التجارية لطلب إلزامه بالتوثيق إلكترونياً مع الاحتفاظ بحق الشركة في مطالبته بالتعويض عن كافة الأضرار الناتجة عن التعطيل.


